محمد سعيد رمضان البوطي

229

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

قال ابن حجر في الفتح : « والذي يظهر لي أن ظن سعد كان مصيبا وأن دعاءه في هذه القصة كان مجابا ، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيها من المشركين ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة ، وكادت الحرب أن تقع بينهم فلم تقع كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [ الفتح 48 / 24 ] . ثم وقعت الهدنة ، واعتمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قابل ، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد ، فتوجه إليهم غازيا ، ففتحت مكة » « 93 » . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في منصرفه عن غزوة الأحزاب ، فيما رواه البخاري : « الآن نغزوهم هم ولا يغزوننا ، نحن نسير إليهم » ، وأخرج البزار بإسناد حسن من حديث جابر أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال يوم الأحزاب ، وقد جمعوا له جموعا كثيرة : « لا يغزونكم بعد هذا أبدا ولكن أنتم تغزونهم » . وأخيرا ، فإن قصة سعد هذه ، بملابساتها التي ذكرناها ، تذكرك بما كنا قررناه سابقا من أن الحرب الدفاعية في الإسلام ما كانت إلا مرحلة من مراحل الدعوة التي سار فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد جاءت من بعدها مرحلة دعوة الناس كلهم إلى الإسلام بحيث لا يقبل من الملاحدة والمشركين إلا الإسلام ، ولا يقبل من أهل الكتاب إلا الدخول فيه أو الخضوع تحت حكمه العام ، مع قتال كل من وقف دون هذه السبيل ، ما دام ذلك ممكنا ، وبعد استنفاد وسائل الدعوة السلمية المعروفة . وليس بعد تكامل الحكم الإسلامي فيما يتعلق بالجهاد والدعوة ، أي معنى لما يسمى بالحرب الدفاعية التي شاعت أخيرا على ألسنة بعض الباحثين وإلا فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : « ولكن أنتم تغزونهم ؟ » .

--> ( 93 ) فتح الباري : 7 / 292